يحيى العامري الحرضي اليماني

380

غربال الزمان في وفيات الأعيان

وتراكب الناس عليه في بلاد العجم حتى تمسحوا بأطراف ثيابه وتراب نعله . وتقدم أنه اعتذر من تدريس النظامية ، واختفى ولم يزل نظام الملك يتلطف له حتى رجع وبان على أصحابه والناس ما لا يخفى . وذكر أن أصحابه أرسلوا إليه أنه إن لم يرجع إلى المدرسة وإلا خلفه ابن الصباغ ، فأجاب : وعزل ابن الصباغ . وكان مدته في ذلك عشرين يوما . وتحمل على أن للشيخ مقصدا صالحا لا لمجرد الرياسة . وقد جرى للفقيه علي بن قاسم الحكمي مع سلطان اليمن واقعة ؛ وذلك أنه قال : إمّا أن تدرّس وإما أن تخرج من بلدي . وأمر بحبسه ، وأخذوه بأطراف قميصه فقال : يا قميص السلطان اخنقه ؛ فخنقه ، فأمر به فأطلق . وكان له معرفة عظيمة في [ كتاب ] « 1 » ( التنبيه ) بحيث أنه يجيب منه بما سئل . وابتلي الشيخ أبو إسحاق بوسوسة الوضوء ، فغسل مرة وجهه في الشط مرارا ، فقال رجل : يا شيخ ، أما تستحيي ؟ ! تغسل وجهك كذا وكذا مرة ! فقال : لو حصلت لي الثلاث ما زدت عليها . وروي أنه كان يخرج من النظامية وقت الصلاة ويصلي في مسجد آخر ويقول : بلغني أن أكثر آلاتها مغصوبة . وهذا خلاف ما ظهر من ملازمته لها . وروي أنه كان يذهب في كل جمعة إلى الشط فيغسل ثيابه وبدنه ويصلي صلاة أسبوع قضاء ؛ احتياطا لا وسوسة . ولما مات الخليفة استقر رأي الناس على من اختاره الشيخ أبو إسحاق ، فاختار المقتدر « 2 » . وروى النووي [ في تهذيبه ] « 3 » أن الشيخ أبا إسحاق كان طارحا للتكلف ، روي أنه جيء بسؤال وهو عند دكان خباز أو بقال ؛ فأخذ قلمه ودواته وأجاب على السؤال ، ثم مسح بالقلم ثوبه ، وهذا أولى به من معنى الوسوسة المخالف بمثله .

--> ( 1 ) زيادة من ب . ( 2 ) في مرآة الجنان : المقتدي . ( 3 ) زيادة من ب .